“ليبانون ديبايت”
لا تؤمّن الدولة الكهرباء للبنانيين، لكنها قررت ملاحقتهم إلى أسطح منازلهم لمنعهم من إنتاجها بأنفسهم قبل المرور بسلسلة من الموافقات والخرائط والإفادات والرسوم. وبعدما تركتهم سنوات تحت رحمة أصحاب المولدات وفواتيرهم، مدّت يدها إلى الشمس أيضًا.
هذا ما يفعله القرار المشترك الصادر عن وزارات الداخلية والبلديات والأشغال العامة والنقل والطاقة والمياه، والذي أخضع تركيب ألواح الطاقة الشمسية بقدرة تقل عن 1.5 ميغاوات لموافقة البلدية أو القائمقام، وربطه بمستندات هندسية وإدارية ورسوم ومهلة انتظار تصل إلى 15 يومًا.بكلام واضح: الدولة التي عجزت عن إنتاج الكهرباء قررت تنظيم وصول الناس إلى الشمس.
فالمواطن الذي تحمّل انهيار مؤسسة كهرباء لبنان، ودفع ثمن المازوت وفواتير المولدات من راتبه ومدخراته، وجد في الطاقة الشمسية مخرجًا فرديًا من العتمة. وعندما حاول التحرر من المولد، وضعت الدولة بينه وبين ألواح منزله رئيس بلدية وقائمقامًا ومهندسين ومعاملات ورسومًا.
والقرار لا يميّز بين نظام منزلي صغير ومشروع ضخم، بل يجمع تحت آلية واحدة كل الأنظمة التي تقل قدرتها عن 1.5 ميغاوات. وهكذا يخضع منزل يريد تأمين حاجاته الأساسية للمنطق الإداري نفسه الذي يحكم مشروعًا تصل قدرته إلى 1.49 ميغاوات، رغم الفارق الهائل في الحجم والاستخدام والمخاطر.

أما النتيجة العملية، فهي واضحة: كل معاملة إضافية تعني كلفة وتأخيرًا واحتمال تعطيل، وكل يوم يتأخر فيه تركيب الطاقة الشمسية يعني استمرار المواطن في دفع فاتورة المولد. ومن هنا يصبح السؤال مشروعًا: من يستفيد من وضع العراقيل أمام خروج الناس من سوق المولدات الخاصة؟لا يتضمن القرار دليلًا على تنسيق مباشر مع أصحاب المولدات، ولا يجوز تحويل الشبهة إلى واقعة من دون مستند.
لكن المستفيد الاقتصادي الأول من تعقيد تركيب الطاقة الشمسية هو من يريد إبقاء المشتركين مرتبطين بالمولد والمازوت والفاتورة الشهرية.والأكثر إثارة للاستغراب أن القرار صدر بعد تشكيل هيئة تنظيم قطاع الكهرباء، مع أن القانون رقم 462 يمنحها صلاحية وضع المعايير التقنية والفنية والبيئية. ورغم ذلك، أصدر الوزراء الثلاثة تنظيمًا موقتًا، ونقلوا سلطة الموافقة إلى البلديات والقائمقامين.
وقد أقرت وزارة الطاقة بأن إعداد القرار بدأ قبل تشكيل الهيئة، وأنه يسقط حكمًا فور صدور الآلية التي تعمل عليها الهيئة. لكن هذا التبرير يفتح سؤالًا أكبر: إذا أصبحت الهيئة قائمة وتعمل على تنظيم الملف، لماذا جرى توقيع القرار الآن؟ ولماذا لم يُترك لها أن تمارس صلاحياتها وتضع قواعد وطنية موحدة؟كما تثير عبارة الرسوم البلدية المتوجبة إشكالية قانونية جدية.
فإذا كان المقصود رسمًا قائمًا، يجب تحديد طبيعته وقيمته وسنده القانوني بوضوح، لأن أي ضريبة أو رسم جديد لا يمكن استحداثه بقرار وزاري، بل يحتاج إلى قانون.
أما ترك العبارة فضفاضة، فقد يفتح الباب أمام تفاوت في التطبيق بين بلدية وأخرى.حتى مهلة الـ15 يومًا التي يقدمها القرار كضمانة للمواطن يمكن أن تتحول إلى دائرة بيروقراطية. فالبلدية تستطيع اعتبار الملف غير مكتمل،
وعندها لا تبدأ المهلة قبل استكماله وفق تقديرها. وهكذا يصبح المواطن أسير الخلاف حول تاريخ اكتمال الطلب وما إذا كان يحق له المباشرة بالتركيب.
ويُخشى أيضًا ألا يطبق القرار بالتساوي في جميع المناطق. ففي البلدات التي تعمل فيها الإدارات والبلديات بانتظام، سيضطر المواطن إلى تنفيذ كل الشروط ودفع الرسوم وانتظار الموافقة. أما حيث تضعف سلطة الدولة أو تتراجع قدرة البلديات على فرض قراراتها، فقد يستمر التركيب من دون استئذان أحد.وبذلك يتحول القرار إلى عقوبة للمواطن الملتزم بالقانون، وإلى قيد يُطبق في مناطق بصرامة ويغيب عن مناطق أخرى، بدل أن يكون تنظيمًا عادلًا وموحدًا على جميع اللبنانيين.
كان يفترض بالدولة التي لا تؤمّن الكهرباء أن تعفي الأنظمة المنزلية الصغيرة من الرسوم والمعاملات، وأن تشجع الطاقة النظيفة، وتكتفي بشروط هندسية واضحة تحمي السلامة العامة وتحمل المنفذ مسؤولية أي مخالفة.
لكنها فعلت العكس: استحدثت موافقة مسبقة، ووسعت سلطة البلديات، وفتحت أبوابًا جديدة للتعطيل، وأبقت المواطن أسيرًا للمولد.لسنوات، فرض أصحاب المولدات أسعارهم وفواتيرهم مستفيدين من انهيار الكهرباء وغياب الرقابة الفعلية. واليوم، بدل أن تواجه الدولة هذه المنظومة وتحرر المواطنين منها، تصدر 3 وزارات قرارًا يجعل الهروب إلى الطاقة الشمسية أكثر صعوبة.
الدولة لا تنتج الكهرباء، ولا تضبط فواتير المولدات، ولا تحمي المواطن من العتمة. لكنها عندما قرر إنتاج كهربائه بنفسه، تذكرت فجأة أنها موجودة.إما أن يبقى اللبناني في العتمة، وإما أن يدفع للمولد. أما الشمس، فيبدو أن الوزارات الثلاث قررت حجزها أيضًا.









