في ظلّ ما يشهده المشهد الإعلامي اللبناني من تصاعد مقلق في بعض الممارسات التي تنزلق من مساحة النقد المهني إلى دائرة الاستفزاز الرمزي والتجييش الطائفي وإعادة إنتاج الانقسام الداخلي، وفي ضوء ما رافق ذلك من ردود فعل متبادلة تنذر بتوسيع الشرخ الوطني بدل احتوائه، تتوجّه المواقع الإلكترونية الإخبارية في لبنان بهذا البيان، تأكيدًا على ما يلي:
أولًا:
إنّ التعرض للمرجعيات الروحية والدينية، أيًّا كانت، لا يدخل في باب حرية التعبير المسؤولة، بل يشكّل مسًّا مباشرًا بالبنية الرمزية الجامعة للمجتمع اللبناني، وتهديدًا لتوازناته الدقيقة، بما يفتح الباب أمام اهتزازات اجتماعية لا يمكن احتواؤها بسهولة. إنّ هذه المرجعيات ليست تفاصيل في خطاب إعلامي عابر، بل هي جزء من النسيج الحافظ للسلم الأهلي والاستقرار الداخلي.
ثانيًا:
إنّ حرية التعبير، رغم كونها حقًا أساسيًا ومصانًا، تفقد معناها عندما تُستخدم كأداة لـإثارة الانقسام، أو شرعنة الاستفزاز، أو إعادة إنتاج خطاب الكراهية تحت عناوين مهنية أو ساخرة أو نقدية. فالإعلام ليس مساحة لإدارة الصراع الرمزي بين المكوّنات، بل مساحة لصناعة الوعي الوطني الجامع.
ثالثًا:
إنّ ما نشهده من تكرار لمشاهد التوتر الإعلامي واستدعاء الهويات الفرعية والانفعالات الطائفية، لا يمكن عزله عن سياق أوسع يتجاوز الداخل الإعلامي إلى سياق سياسي واستراتيجي يستفيد من تفكك المجتمعات من داخلها.وفي هذا الإطار، فإنّ هذه الحالة من الانكشاف الداخلي تتقاطع بوضوح مع مشاريع العدو الإسرائيلي التاريخية والمستمرة، القائمة على قاعدة تفكيك الجبهة الداخلية، وضرب وحدة المجتمعات، وتحويل اختلافاتها إلى أدوات صراع دائم.وعليه، فإنّ أي خطاب إعلامي يساهم في تعميق هذا المناخ، سواء بوعي أو من دونه، يتحوّل موضوعيًا إلى جزء من بيئة خدمة هذا المشروع التفتيتي، حتى لو تلطّى خلف شعارات الحرية أو المهنية أو الترفيه الإعلامي.
رابعًا:
نحذّر من خطورة ما يمكن وصفه بـهندسة الفتنة الناعمة عبر الإعلام، حيث لا تُستخدم القوة المباشرة، بل تُستخدم الرموز، والإيحاءات، والصور، والسخرية، والتأويلات، من أجل إعادة تشكيل المزاج العام باتجاه الاستفزاز والانقسام. إنّ هذا النوع من الممارسات أخطر من الخطاب المباشر، لأنه يعمل في العمق ويضرب في الوعي الجمعي.
خامسًا:
نشدّد على ضرورة تحمّل الحكومة ووزارة الإعلام مسؤولياتهم الكاملة في وضع حدّ لهذا الانفلات الإعلامي المتدرّج، من خلال تفعيل القوانين الناظمة، وعدم التهاون في تطبيقها، بعيدًا عن أي اعتبارات سياسية أو انتقائية. فالدولة التي تتسامح مع الانزلاق الإعلامي، إنما تُضعف مناعتها الذاتية وتفتح المجال أمام مزيد من التفكك الداخلي.
سادسًا:
إنّ لبنان، في هذه المرحلة الدقيقة، لا يواجه فقط أزمة سياسية أو اقتصادية، بل يواجه أيضًا أزمة في هندسة الخطاب العام نفسه. فالإعلام إمّا أن يكون عنصرًا في إعادة ترميم الوحدة الوطنية، أو يتحوّل—عن قصد أو عن غير قصد—إلى جزء من أدوات الضغط الداخلي التي تُستثمر في تفكيك المجتمعات وإضعافها.
سابعًا وأخيرًا:
نُحيّي المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع على موقفه الأخير، لما تضمّنه من إدراك واضح لخطورة الانزلاق الإعلامي على السلم الأهلي، ودوره في إعادة التذكير بضرورة ضبط الأداء الإعلامي ضمن سقف المسؤولية الوطنية، ونعتبر هذا الموقف خطوة في الاتجاه الصحيح نحو إعادة الاعتبار لدور الإعلام كأداة حماية لا أداة تفجير.
إنّنا نؤكد بوضوح أنّ العبث بالتماسك الداخلي تحت أي عنوان لم يعد مسألة حرية رأي، بل مسألة أمن وطني مباشر، وأنّ استمرار هذا المسار يضع البلاد في دائرة استنزاف لا تخدم إلا من يتربّص بوحدتها واستقرارها.









